اتصل بنا
طول العمر والشيخوخة الصحية

حماية الدماغ والذاكرة: تحدٍّ كبير في الشيخوخة

نسيان اسم أو البحث عن المفاتيح: لا ينبغي الخلط بين هذه الهفوات الصغيرة العابرة وبين التدهور الإدراكي الحقيقي. فالدماغ يحتفظ طوال الحياة بلدونته العصبية، ويستعرض هذا المقال ما يساعده على الحفاظ على إمكاناته: النشاط البدني، والتحفيز الذهني، والنوم، والروابط الاجتماعية، والتغذية، والتحكم في عوامل الخطر القلبية الوعائية، والاحتياطي الإدراكي. وهي عناية يمكن أن تبدأ في أي سن.

بقلم الدكتور سعيد العلوي مولاي عبد الله

4 دقيقة للقراءةترجمة عربية

في هذا المقال

من بين كل المخاوف المرتبطة بالتقدم في السن، يحتل الخوف من فقدان الذاكرة مكانة خاصة. فكثير من الناس يخشون فقدان قدراتهم الذهنية أكثر مما يخشون التغيرات الجسدية المصاحبة للشيخوخة.

نسيان اسم، أو البحث عن المفاتيح، أو تعذّر استحضار كلمة مألوفة على الفور، كلها مواقف كثيراً ما تثير القلق. غير أنه من المهم التمييز بين الهفوات الصغيرة العابرة التي قد تحدث في أي سن، وبين التدهور الإدراكي الحقيقي.

الدماغ البشري هو على الأرجح أعقد أعضاء جسمنا. فهو يضم مليارات الخلايا العصبية التي تتواصل فيما بينها عبر شبكة هائلة من الوصلات. وهذه الوصلات هي مصدر ذكرياتنا ولغتنا وعواطفنا وقدرتنا على التعلم وشخصيتنا.

ظل العلماء طويلاً يعتقدون أن الدماغ المتقدم في السن محكوم عليه بفقدان قدراته تدريجياً دون أي إمكانية للتحسن. وقد تم اليوم التخلي عن هذه الرؤية المتشائمة إلى حد كبير. فقد أثبتت الأبحاث الحديثة أن الدماغ يحتفظ طوال الحياة بقدرة لافتة على التكيف تُسمى اللدونة العصبية.

وتعني هذه الخاصية المذهلة أن الدماغ، حتى في سن متقدمة، يستطيع مواصلة إنشاء وصلات جديدة، وتقوية بعض الدوائر العصبية، واكتساب مهارات جديدة. وبعبارة أخرى، يظل الدماغ قادراً على التعلم. وقد غيّر هذا الاكتشاف فهمنا لشيخوخة الدماغ تغييراً عميقاً.

فالتقدم في السن لا يعني بالضرورة الوقوع في التشوش أو فقدان الذاكرة حتماً. فكثير من الناس يحتفظون بقدرات ذهنية ممتازة حتى سن متقدمة جداً. بل إن بعضهم يواصلون الكتابة والتدريس والإبداع وتعلم لغات جديدة أو إدارة أنشطة معقدة بعد الثمانين بكثير. ويصبح السؤال الجوهري إذن: كيف نساعد الدماغ على الحفاظ على إمكاناته أطول مدة ممكنة؟

  • الجواب الأول كثيراً ما يكون مفاجئاً. فمن أفضل الوسائل لحماية الدماغ تشغيلُ الجسم. فالنشاط البدني يحسّن الدورة الدموية في الدماغ. وكل نزهة، وكل جولة بالدراجة، وكل تمرين بدني يزيد من إمداد الخلايا العصبية بالأكسجين والمغذيات.

وقد لاحظ الباحثون أيضاً أن الرياضة تعزز إنتاج مواد تشارك في نمو الخلايا العصبية وحمايتها. ولهذا كثيراً ما يُظهر الأشخاص النشيطون بدنياً أداءً إدراكياً أفضل خلال الشيخوخة. فالحركة تغذي الدماغ بالمعنى الحرفي. ويمثل التحفيز الذهني الركيزة الكبرى الثانية للصحة الإدراكية.

فالدماغ، مثل العضلات، يحتاج إلى التدريب. وحين يتوقف الشخص تدريجياً عن التعلم أو التفكير أو اكتشاف أشياء جديدة، قد تفقد بعض الوظائف شيئاً من كفاءتها. وعلى العكس، فإن كل نشاط محفز ذهنياً يسهم في صيانة الشبكات العصبية.

القراءة المنتظمة، والكتابة، وحل الكلمات المتقاطعة، ولعب الشطرنج، وتعلم لغة أجنبية، واكتشاف آلة موسيقية، ومتابعة تكوين، والاهتمام بمجال جديد: كل هذه الأنشطة تستنفر مناطق مختلفة من الدماغ وتسهم في الحفاظ على القدرات الإدراكية.

والفضول في حد ذاته عامل حماية حقيقي. فالأشخاص الذين يواصلون الاهتمام بالعالم من حولهم والتعلم ومواجهة تحديات ذهنية جديدة كثيراً ما يحافظون على صحة أدمغتهم بفعالية أكبر.

  • ويؤدي النوم أيضاً دوراً أساسياً. فلسنوات طويلة، اعتُبر النوم مجرد فترة راحة. لكن علوم الأعصاب كشفت عن حقيقة أعقد بكثير. فأثناء النوم، يقوم الدماغ بعمل صيانة مهم: تُفرز معلومات اليوم وتُرسَّخ، وتُقوّى بعض الذكريات، وتعمل آليات تنظيف على التخلص من جزء من الفضلات الأيضية المتراكمة خلال فترات اليقظة.

والنوم غير الكافي أو الرديء يُخل بهذه العمليات. ومع الوقت، يمكن أن يؤثر الحرمان المزمن من النوم في الذاكرة والتركيز والمزاج والأداء الذهني. إذن فالنوم الكافي ليس ترفاً، بل ضرورة بيولوجية.

  • وتشكل العلاقات الاجتماعية عاملاً آخر كثيراً ما يُستهان به. فالدماغ عضو اجتماعي في عمقه. والتواصل مع الآخرين يستنفر اللغة والذاكرة والانتباه والعواطف والقدرة على التكيف.

وعلى العكس، قد تؤدي العزلة المطولة إلى تراجع التحفيز الإدراكي. ولذلك فإن الحفاظ على الروابط العائلية والصداقات والانخراط في الجمعيات يسهم هو الآخر في صون صحة الدماغ.

  • وتؤثر التغذية بدورها في عمل الدماغ. فالخلايا العصبية تحتاج إلى مغذيات كثيرة لتعمل على النحو الأمثل.

فأوميغا-3، وبعض فيتامينات المجموعة B، والمغنيسيوم، والبوليفينولات الموجودة في الفواكه والخضر الملونة، إلى جانب نظام غذائي غني بالأطعمة قليلة التصنيع، كلها تسهم في الحفاظ على بيئة ملائمة لعمل الدماغ.

وعلى العكس، قد يكون للإفراط في السكريات المكررة والمنتجات فائقة التصنيع والالتهاب المزمن آثار سلبية على المدى الطويل.

  • والتحكم في عوامل الخطر القلبية الوعائية ضروري كذلك. فالدماغ الجيد التروية يعتمد على صحة وعائية جيدة. وارتفاع ضغط الدم، والسكري، والتدخين، والسمنة البطنية، وقلة الحركة، يمكن أن تُضعف تدريجياً جودة الدورة الدموية في الدماغ. وما يحمي الشرايين يحمي الدماغ عموماً. ولهذا كثيراً ما تسهم استراتيجيات الوقاية القلبية الوعائية في الوقاية من التدهور الإدراكي.
  • ومن المهم أيضاً أن نفهم أن للدماغ قدرة احتياطية معينة. وهذا المفهوم، المسمى الاحتياطي الإدراكي، يشير إلى قدرة بعض الأشخاص على مقاومة آثار الشيخوخة بشكل أفضل بفضل شبكة عصبية أغنى وأكثر تطوراً. ويُبنى هذا الاحتياطي تدريجياً طوال الحياة. فكل كتاب مقروء، وكل مهارة مكتسبة، وكل تجربة جديدة، وكل حوار مُثرٍ، وكل نشاط ذهني يسهم في تعزيز هذا الاحتياطي.

الدماغ أشبه بحديقة. فإذا توقفنا عن العناية بها، تفقر بعض أجزائها تدريجياً. وإذا واصلنا تغذيتها وتحفيزها واستعمالها، احتفظت بغناها وحيويتها مدة أطول بكثير.

والخبر السار أن هذه العناية يمكن أن تبدأ في أي سن. فحتى بعد الستين أو السبعين أو الثمانين، يظل من الممكن تحسين العادات وتوفير ظروف أفضل للدماغ.

إذن فشيخوخة الدماغ ليست مسألة سنوات فحسب، بل تتوقف أيضاً على الاختيارات اليومية التي تؤثر في صحة خلايانا العصبية وأوعيتنا الدموية ووصلاتنا الدماغية.

والحفاظ على الذاكرة ليس ثمرة حل سحري، بل هو نتيجة نمط حياة يغذي الدماغ والجسد والروح كل يوم.

نصيحة Family Clinic

اعتبر دماغك رأسمالاً ثميناً. شغّله كل يوم بالقراءة والفضول والتواصل الإنساني والنشاط البدني. فالدماغ الذي يُحفَّز هو دماغ يحتفظ مدة أطول بقدرته على التعلم والفهم والاستمتاع بالحياة استمتاعاً كاملاً.

لديك سؤال يخص صحتك؟ تواصل مع العيادة.