اتصل بنا
طول العمر والشيخوخة الصحية

أوميغا-3: الدهون التي تغذي الدماغ والقلب وطول العمر

بعض الدهون ليست عدوة لنا. فأحماض أوميغا-3، ومنها DHA الموجود في أغشية الخلايا العصبية، تشارك في عمل الدماغ، وتدعم صحة القلب والأوعية، وتسهم في التوازن الالتهابي. يشرح هذا النص لماذا يستهلك كثيرون منها كميات أقل مما كانت تستهلكه الأجيال السابقة، وكيف يمكن إثراء النظام الغذائي ببساطة: السردين والإسقمري (الماكريل) وغيرهما من الأسماك الدهنية مرتين إلى ثلاث مرات في الأسبوع، مع الخضر والبقوليات وزيت الزيتون.

بقلم الدكتور سعيد العلوي مولاي عبد الله

4 دقيقة للقراءةترجمة عربية

في هذا المقال

عانت الدهون لسنوات طويلة من سمعة سيئة. فقد انتهى الأمر بكثير من الناس إلى الاعتقاد بأن جميع الدهون مضرة بالصحة، وأنه ينبغي التقليل منها إلى أقصى حد للبقاء في لياقة جيدة.

والواقع أكثر دقة من ذلك. فجسمنا يحتاج إلى بعض الدهون ليعمل بشكل طبيعي. فهي تدخل في تركيب أغشية الخلايا، وتشارك في صنع كثير من المواد البيولوجية، وتؤدي دوراً أساسياً في عمل الدماغ والقلب والأجهزة الهرمونية.

ومن بين هذه الدهون المفيدة، تحتل أحماض أوميغا-3 مكانة خاصة. ويرى الباحثون اليوم أنها من أهم المغذيات للحفاظ على الصحة خلال الشيخوخة.

يتكون الدماغ البشري في جزء كبير منه من الدهون. ويحتوي جزء مهم من أغشيته الخلوية بشكل خاص على حمض دهني يسمى DHA، ينتمي إلى عائلة أوميغا-3.

وهذا الوجود ليس من قبيل الصدفة. فلكي تتمكن الخلية العصبية من التواصل بفعالية مع الخلايا العصبية الأخرى، يجب أن تحتفظ أغشيتها ببعض الخصائص الفيزيائية، وأن تبقى مرنة وفعالة بما يكفي للسماح بتبادل المعلومات. وأحماض أوميغا-3 تسهم تحديداً في هذا التوازن. ولهذا يهتم الباحثون منذ سنوات طويلة بدورها في الحفاظ على الوظائف الإدراكية.

يستهلك الدماغ كمية هائلة من الطاقة كل يوم. ومع أنه لا يمثل سوى نسبة ضئيلة من وزن الجسم، فإنه يستعمل جزءاً مهماً من الموارد الأيضية للجسم. ولكي يعمل بكفاءة طوال عقود، يحتاج إلى بيئة غذائية ملائمة. وأحماض أوميغا-3 من العناصر التي تسهم في هذه البيئة الواقية.

وهي بطبيعة الحال ليست حلاً سحرياً لشيخوخة الدماغ، لكنها تشارك في مجموع الآليات التي تساعد على الحفاظ على وظيفة إدراكية متناغمة على مر السنين.

ويستفيد القلب أيضاً من آثارها. فمنذ عدة عقود، لاحظ العلماء أن بعض الشعوب التي تستهلك تقليدياً كميات أكبر من الأسماك الدهنية تتمتع بمؤشرات قلبية وعائية جديرة بالاهتمام بشكل خاص. وقد قادت هذه الملاحظة إلى أبحاث كثيرة حول أوميغا-3.

واليوم، تُعتبر حليفاً مهماً لصحة القلب والأوعية. فهي تسهم بشكل خاص في الحفاظ على حسن عمل الأوعية الدموية وفي توازن عدة آليات مرتبطة بالدورة الدموية.

والصحة القلبية الوعائية الجيدة هي في حد ذاتها عامل رئيسي لطول العمر. فالقلب الكفء يتيح إمداد جميع أعضاء الجسم إمداداً سليماً. والدماغ والعضلات والكليتان والعينان وسائر الأنسجة تعتمد على هذه الدورة الدائمة لتتلقى الأكسجين والمغذيات اللازمة لبقائها. ولذلك فإن العناية بالقلب تعني بطريقة غير مباشرة العناية بالجسم كله.

وتؤدي أحماض أوميغا-3 أيضاً دوراً في تنظيم الالتهاب. والالتهاب ليس بالضرورة ظاهرة سلبية. فعندما تحدث إصابة أو يدخل ميكروب إلى الجسم، يكون رد الفعل الالتهابي آلية دفاع طبيعية. وتظهر المشكلة حين يصبح هذا الالتهاب مزمناً ويستمر بصمت طوال سنوات.

ويعتبر المختصون اليوم هذا الالتهاب منخفض الشدة إحدى الآليات التي قد تسهم في ظهور كثير من الأمراض المرتبطة بالشيخوخة.

والتغذية الحديثة تشجع أحياناً هذا الاختلال. فالمنتجات فائقة التصنيع، والإفراط في السكر، وقلة الحركة، والتوتر المزمن، وقلة النوم، وبعض عادات الحياة، يمكن أن تهيئ أرضية ملائمة لالتهاب مستمر.

أما أحماض أوميغا-3 فتشارك على العكس في إنتاج جزيئات تسهم في استعادة التوازن الالتهابي. وهذا أحد الأسباب التي تجعلها تحتل مكانة مهمة في المقاربات الغذائية الرامية إلى تعزيز شيخوخة صحية.

ومن المؤسف أن كثيراً من الناس يستهلكون اليوم كميات من أوميغا-3 أقل مما كانت تستهلكه الأجيال السابقة. فقد تغيرت العادات الغذائية تدريجياً. وازدادت حصة المنتجات الصناعية، في حين تراجع أحياناً الاستهلاك المنتظم للأسماك والأغذية الطبيعية الغنية بأوميغا-3.

ولحسن الحظ، من السهل نسبياً تحسين الكميات المتناولة. فأفضل المصادر الغذائية هي الأسماك الدهنية. ومن أهمها: السردين؛ الإسقمري (الماكريل)؛ الرنجة؛ الأنشوفة؛ السلمون؛ بعض أنواع السلمون المرقط.

وتتميز هذه الأغذية بميزة مزدوجة، فهي لا توفر أوميغا-3 فحسب، بل توفر أيضاً بروتينات عالية الجودة وفيتامينات وعدة معادن أساسية.

ويحتل السردين مكانة خاصة في مقاربة الصحة العامة. فهو في الغالب أيسر ثمناً من أسماك أخرى، ومع ذلك يشكل مصدراً غذائياً ممتازاً. وينسجم انسجاماً تاماً مع النظام الغذائي المتوسطي ومع المقاربة الغذائية لـ Family Clinic.

وتحتوي بعض المصادر النباتية أيضاً على سلائف أوميغا-3. ومن ذلك بشكل خاص: بذور الكتان؛ بذور الشيا؛ الجوز؛ بعض الزيوت النباتية. ولهذه الأغذية فوائد غذائية كثيرة، وإن ظل تحويل السلائف النباتية إلى DHA محدوداً لدى الإنسان.

ليس الهدف هو البحث عن الكمال الغذائي، بل إثراء النظام الغذائي تدريجياً بمزيد من الأغذية الطبيعية الواقية. فوجبة قوامها السردين والخضر الملونة وزيت الزيتون والبقوليات توفر بالفعل مجموعة لافتة من المغذيات المفيدة للصحة.

وتوضح هذه المقاربة بشكل مثالي مبدأً أساسياً من مبادئ طب طول العمر. فالصحة لا تتوقف عموماً على غذاء واحد، بل هي نتيجة التراكم اليومي لعادات مفيدة كثيرة تتكرر طوال سنوات.

وأحماض أوميغا-3 من هذه العادات البسيطة لكنها قد تكون بالغة الأهمية. فهي تسهم في حماية الدماغ، وتدعم صحة القلب والأوعية، وتساعد على التوازن الالتهابي، وتندمج بشكل طبيعي في نمط حياة موجّه نحو الوقاية.

ومن خلالها، تذكّرنا الطبيعة بحقيقة أساسية: بعض الدهون ليست عدوة لنا، بل هي على العكس من العناصر التي لا غنى عنها للحيوية والاستقلالية وجودة الشيخوخة.

نصيحة Family Clinic

حاول إدخال الأسماك الدهنية مرتين إلى ثلاث مرات في الأسبوع، مع تفضيل الأنواع البسيطة والميسورة مثل السردين أو الإسقمري (الماكريل). فإذا اقترنت بالخضر والبقوليات وزيت الزيتون، شكلت إحدى أكثر الوجبات فائدة للشيخوخة في صحة جيدة.

لديك سؤال يخص صحتك؟ تواصل مع العيادة.