من بين كل المغذيات التي تُدرس في مجال الشيخوخة الصحية، قليلة هي التي تثير قدر الاهتمام الذي يثيره فيتامين D. فلسنوات طويلة، اعتُبر أساساً فيتاميناً ضرورياً لمتانة العظام. أما اليوم، فيعلم الباحثون أن دوره أوسع بكثير.
في الواقع، يعمل فيتامين D كهرمون أكثر منه كمجرد فيتامين. فبمجرد أن ينتجه الجسم أو يمتصه، يشارك في تنظيم عدد كبير من الوظائف البيولوجية التي تشمل العضلات والعظام وجهاز المناعة والدماغ والاستقلاب العام. وقد غيّر هذا الاكتشاف تغييراً عميقاً الطريقة التي يتناول بها الأطباء الوقاية من الشيخوخة.
عندما تظل مستويات فيتامين D غير كافية لفترات طويلة، قد تتأثر عدة أجهزة في الجسم. وعلى العكس، يسهم المستوى الكافي منه في الحفاظ على حسن عمل كثير من البنى الأساسية للصحة والاستقلالية.
وتكمن الخاصية الرئيسية لهذا الفيتامين في طريقة إنتاجه. فخلافاً لمعظم المغذيات التي تأتي أساساً من الغذاء، يُصنع فيتامين D في جلدنا تحت تأثير أشعة الشمس.
وطوال آلاف السنين، مثّل هذا الإنتاج الطبيعي المصدر الرئيسي لإمداد الإنسان به. غير أن ظروف العيش تغيرت تغيراً عميقاً. فاليوم، يقضي جزء كبير من السكان معظم وقتهم في الأماكن المغلقة.
فكثيراً ما تمضي الأيام في المكاتب أو المتاجر أو المصانع أو المدارس أو في البيت. وتتم التنقلات بالسيارة أو بوسائل النقل. بل إن أوقات الفراغ نفسها تزداد أحياناً خمولاً. وقد قلّص هذا التحول تعرض كثير من الناس لأشعة الشمس تقليصاً كبيراً. ومن المفارقة أنه بات من الممكن العيش في منطقة شديدة الإشراق مع المعاناة من نقص في فيتامين D.
وكبار السن معنيون بذلك بشكل خاص. فمع التقدم في السن، تقل كفاءة الجلد تدريجياً في إنتاج هذا الفيتامين. وهكذا فإن التعرض نفسه للشمس يولّد في الغالب كمية أقل من فيتامين D في سن السبعين مقارنة بسن الثلاثين.
وفضلاً عن ذلك، يقضي كبار السن أحياناً وقتاً أقل في الخارج بسبب محدودية الحركة أو الأمراض المزمنة أو عادات حياة أكثر خمولاً. ويفسر اجتماع هذه العوامل لماذا يصبح النقص أكثر شيوعاً مع التقدم في السن.
تظهر أهمية فيتامين D أولاً على مستوى الهيكل العظمي. فالعظام ليست بنى جامدة، بل تتجدد باستمرار بفضل توازن معقد بين الهدم وإعادة البناء. ولإنجاز هذا العمل، يحتاج الجسم إلى الكالسيوم، وكذلك إلى فيتامين D.
فبدون كمية كافية من فيتامين D، يتراجع امتصاص الأمعاء للكالسيوم، فتصبح العظام أكثر هشاشة تدريجياً. وتزيد هذه الهشاشة خطر قلة العظم (الأوستيوبينيا) وهشاشة العظام والكسور. ولدى كبار السن، قد تكون عواقب الكسر خطيرة بشكل خاص. فقد يؤدي فقدان مؤقت للقدرة على الحركة أحياناً إلى تراجع دائم في الاستقلالية. ولذلك فإن الحفاظ على مستوى فيتامين D يسهم بشكل غير مباشر في الحفاظ على الاستقلالية الوظيفية.
لكن آثار هذا الفيتامين تتجاوز الهيكل العظمي بكثير. فالعضلات أيضاً تمتلك مستقبلات لفيتامين D. وعندما تكون الكميات المتناولة غير كافية، يشعر بعض الأشخاص بمزيد من الضعف العضلي أو التعب أو تراجع الأداء البدني. وعلى العكس، يسهم المستوى الكافي في دعم الأداء الطبيعي للعضلات. ويصبح هذا التأثير بالغ الأهمية بعد الخمسين، وهي المرحلة التي يبدأ فيها الفقدان التدريجي للكتلة العضلية بالتسارع.
ويتدخل فيتامين D أيضاً في عمل جهاز المناعة. فجسمنا يتعرض يومياً للبكتيريا والفيروسات وعوامل خارجية أخرى. وعلى جهاز المناعة أن يحافظ على توازن دقيق بين اليقظة والضبط.
وقد لاحظ الباحثون أن فيتامين D يشارك في هذا التنظيم المعقد. وهو بطبيعة الحال لا يعوّض نظاماً غذائياً متوازناً ولا نوماً كافياً ولا التدابير الأخرى لنمط الحياة الصحي، لكنه من بين العوامل الكثيرة التي تسهم في المتانة العامة للجسم.
ويمثل الدماغ أيضاً مجالاً بحثياً نشطاً بشكل خاص. فالخلايا العصبية بدورها تمتلك مستقبلات قادرة على الاستجابة لفيتامين D. ويدرس العلماء حالياً الصلات المحتملة بين المستوى الكافي من فيتامين D والحفاظ على الوظائف الإدراكية خلال الشيخوخة. ومع أن كثيراً من الآليات ما زال يحتاج إلى توضيح، يبدو جلياً أن هذا الفيتامين يشارك في البيئة البيولوجية اللازمة لحسن عمل الدماغ.
ويبدو أن المزاج يتأثر كذلك. فكثير من الناس يلاحظون انخفاضاً في معنوياتهم خلال الفترات التي يقل فيها التعرض للضوء الطبيعي. والصلة بين الضوء وفيتامين D والإيقاع البيولوجي والتوازن النفسي موضوع أبحاث مهمة اليوم.
وفي مقاربة شاملة للشيخوخة الصحية، من المناسب إذن اعتبار فيتامين D أحد العناصر المتعددة التي تسهم في العافية الجسدية والنفسية.
ولحسن الحظ، توجد عدة استراتيجيات تتيح الحفاظ على مستويات كافية.
- التعرض المعتدل للضوء الطبيعي هو أولها.
- فالمشي في الهواء الطلق، والبستنة، وممارسة نشاط بدني في الخارج، أو مجرد قضاء وقت أطول خارج البيت، كثيراً ما يقدم عدة فوائد في آن واحد: التعرض للضوء، والنشاط البدني، والحد من قلة الحركة، وتحسين العافية العامة.
- ويسهم الغذاء أيضاً، وإن ظل عموماً غير كافٍ وحده. وتشمل المصادر الغذائية الرئيسية: الأسماك الدهنية؛ السردين؛ الإسقمري (الماكريل)؛ الرنجة؛ بعض أنواع البيض؛ بعض الأغذية المدعّمة.
ولدى بعض الأشخاص، ولا سيما كبار السن أو من ثبت لديهم نقص، يمكن التفكير في تناول مكملات تحت إشراف طبي.
وليس الهدف البحث عن جرعات مفرطة، بل الحفاظ على توازن فيزيولوجي يلائم حاجات الجسم. وكما هو الحال غالباً في الطب الوقائي، تقوم أفضل استراتيجية على الانتظام لا على الإفراط.
ففيتامين D الجيد لا يحوّل نمط حياة غير صحي إلى صحة جيدة. لكنه في المقابل أحد الركائز الكثيرة التي تتيح للجسم أن يواصل العمل بكفاءة على مر السنين.
فالشمس لا تمنحنا الضوء فحسب، بل تسهم أيضاً، من خلال فيتامين D، في صيانة عظامنا وعضلاتنا ودماغنا وحيويتنا العامة.
والحفاظ على هذا التوازن خطوة بسيطة يمكن أن تسهم بشكل دائم في جودة الشيخوخة.
نصيحة Family Clinic
حاول أن تستفيد كل يوم من الضوء الطبيعي، ولو لفترة قصيرة. فنزهة الصباح تجمع عدة فوائد في آن واحد: النشاط البدني، والتعرض لضوء النهار، ورفع المعنويات، وصيانة القلب والأوعية، ودعم الإنتاج الطبيعي لفيتامين D. ففيتامين D أكثر من مجرد مغذٍّ، إنه جزء لا يتجزأ من التوازن العام للجسم.