اتصل بنا
طول العمر والشيخوخة الصحية

الكرياتين: حليف قليل الشهرة للعضلات والدماغ والشيخوخة في صحة جيدة

لاعبو كمال الأجسام وقاعات الرياضة: تلك هي الصورة التي يستحضرها الكرياتين أولاً. غير أن الجسم يصنعه بشكل طبيعي ويخزنه أساساً في العضلات، وكذلك في الدماغ والقلب. ويشبه بطارية طاقة احتياطية، ويهتم به الباحثون في سياق الشيخوخة، وهي مسألة ذات أهمية خاصة بعد الخمسين. ويشدد المقال على أنه أداة مكمّلة لا تعوّض النشاط البدني ولا النوم ولا التغذية المتوازنة.

بقلم الدكتور سعيد العلوي مولاي عبد الله

4 دقيقة للقراءةترجمة عربية

في هذا المقال

عندما تُذكر كلمة «الكرياتين»، يفكر كثير من الناس فوراً في لاعبي كمال الأجسام وقاعات الرياضة والسعي إلى الأداء البدني. وقد حدّت هذه الصورة، التي انتشرت على نطاق واسع منذ عدة عقود، طويلاً من الاهتمام بهذه المادة رغم أنها موجودة بشكل طبيعي في جسم الإنسان.

واليوم، يهتم الباحثون بشكل متزايد بالكرياتين في سياق مختلف تماماً: سياق الشيخوخة، والحفاظ على العضلات، وصون القدرات الإدراكية. وهذا التطور في المعارف العلمية يهم بشكل خاص من تجاوزوا الخمسين.

الكرياتين ليس منتجاً اصطناعياً اختُرع للرياضيين. بل هو جزيء يصنعه جسمنا بشكل طبيعي انطلاقاً من عدة أحماض أمينية. كما توفره بعض الأغذية، ولا سيما اللحوم والأسماك والمأكولات البحرية. وبعد إنتاجه أو امتصاصه، يُخزَّن أساساً في العضلات، وكذلك في الدماغ والقلب وعدة أنسجة أخرى.

ولفهم فائدته، ينبغي أولاً الاهتمام بالطريقة التي ينتج بها جسمنا طاقته. فكل خلية في الجسم تحتاج إلى الطاقة لأداء عملها. فالعضلات تحتاج إلى الطاقة لتنقبض، والدماغ يحتاج إليها لمعالجة المعلومات، والقلب يحتاج إليها لينبض باستمرار.

وحتى ونحن في حالة راحة، تجري مليارات التفاعلات البيولوجية باستمرار في جسمنا. ويتدخل الكرياتين تحديداً في هذا النظام الطاقي.

ويمكن تشبيهه ببطارية احتياطية تتيح للخلايا الحصول بسرعة على مخزون من الطاقة عند الحاجة. فعند بذل مجهود، ولو كان قصيراً، يساعد الكرياتين على الحفاظ على توفر الطاقة اللازمة لعمل الخلايا.

وتفسر هذه الوظيفة لماذا دُرس أولاً في المجال الرياضي. لكن مع مرور الوقت، أدرك الباحثون أن هذا الأثر الطاقي قد يكون مفيداً أيضاً في سياق الشيخوخة.

فمع التقدم في السن، تظهر تدريجياً عدة ظواهر طبيعية. فتتناقص الكتلة العضلية، وتتراجع القوة ببطء، ويصبح التعافي أحياناً أصعب، وقد تقل القدرة على بذل مجهود شديد. وفي الوقت نفسه، قد تصبح بعض الوظائف الإدراكية أيضاً أكثر عرضة للتعب. وهذه التطورات طبيعية، لكن نمط الحياة يمكن أن يؤثر فيها. ويظل النشاط البدني الوسيلة الرئيسية لمواجهة هذه التحولات.

ومع ذلك، يسعى الباحثون أيضاً إلى تحديد المغذيات القادرة على دعم هذا الجهد للحفاظ على الوظائف. والكرياتين من أكثر المرشحين دراسة. وتتضح فائدته بشكل خاص على مستوى العضلات.

فالعضلات من أكبر مخازن الكرياتين في الجسم. وعندما يكون المخزون كافياً، تكون العضلة أقدر على الاستجابة لبعض المجهودات.

ولدى الأشخاص الذين يمارسون تدريباً عضلياً ملائماً، يبدو أن الكرياتين يعزز الآليات المرتبطة بالحفاظ على القوة أو تنميتها. وتلفت هذه الخاصية انتباه المختصين في الشيخوخة.

فالفقدان العضلي المرتبط بالسن من الأسباب الرئيسية لفقدان الاستقلالية. والشخص الذي يحتفظ بقوته العضلية يظل عموماً قادراً على المشي أكثر، والنهوض بسهولة أكبر، وحمل الأثقال، والحفاظ على استقلاليته مدة أطول. فالحفاظ على العضلات يعني إذن الحفاظ على حرية الحركة.

لكن قصة الكرياتين لا تتوقف عند العضلات. فالدماغ بدوره يستهلك كمية هائلة من الطاقة. ومع أنه لا يمثل سوى نسبة ضئيلة من وزن الجسم، فإنه يستعمل جزءاً مهماً من الطاقة التي ينتجها الجسم. فكل تفكير، وكل ذكرى، وكل تعلم، وكل قرار يتطلب موارد طاقية كبيرة.

وقد لاحظ الباحثون أن الدماغ يستعمل الكرياتين أيضاً في بعض آلياته الطاقية. وفتح هذا الاكتشاف مجالاً بحثياً جديداً مخصصاً للصلات بين الكرياتين وعمل الدماغ.

وتشير عدة دراسات إلى أن هذا الجزيء قد يكون مفيداً بشكل خاص في الحالات التي تزداد فيها حاجات الدماغ إلى الطاقة. فالتعب الذهني، وقلة النوم، وفترات الجهد الذهني المكثف، وبعض الحالات الفيزيولوجية الخاصة، هي حالياً موضوع دراسات معمقة.

ومع أن أسئلة كثيرة ما زالت تنتظر الاستكشاف، فإن الاهتمام العلمي بهذا المجال لا يكف عن التزايد. ويشكل النباتيون والنباتيون الصرف فئة مدروسة بشكل خاص.

فبما أن الكرياتين الغذائي يأتي أساساً من المنتجات الحيوانية، فقد يكون مخزونهم أقل بشكل طبيعي. وقد أتاح هذا الوضع للباحثين ملاحظة بعض الفروق البيولوجية بسهولة أكبر، وتقييم أثر الكميات التكميلية في سياقات مختلفة.

كما خضعت سلامة الكرياتين لتحليل مطوّل. فخلافاً لبعض الأفكار الشائعة، يُعد من أكثر المكملات الغذائية دراسة في العالم. والبيانات العلمية المتراكمة منذ عدة عقود تتيح اليوم فهماً أفضل لطريقة عمله ومجالات استعماله.

ومع ذلك، وكما هو الحال في أي مقاربة غذائية، ينبغي أن يندرج استعماله دائماً ضمن استراتيجية صحية شاملة. فلا توجد مادة، مهما كانت واعدة، يمكنها أن تحل محل أسس الشيخوخة الناجحة.

فالكرياتين لا يعوّض النشاط البدني، ولا يعوّض النوم، ولا يعوّض التغذية المتوازنة، ولا يعوّض حياة نشيطة وغنية اجتماعياً.

وتظل هذه الركائز ذات أولوية. فطول العمر لا يقوم أبداً على جزيء واحد، بل ينتج عن تفاعل عوامل مفيدة كثيرة يعزز بعضها بعضاً. ولهذا السبب، ينبغي اعتبار الكرياتين أداة مكمّلة لا حلاً سحرياً.

وتبرز فائدته المحتملة بشكل خاص في مقاربة ترمي إلى الحفاظ على الكتلة العضلية، ودعم القدرة على بذل المجهود، والحفاظ أطول مدة ممكنة على الوظائف التي لا غنى عنها للاستقلالية.

فالشيخوخة في صحة جيدة تعني قبل كل شيء الحفاظ على القدرة على الفعل. القدرة على المشي. القدرة على التفكير. القدرة على التعلم. القدرة على المشاركة في الحياة العائلية والاجتماعية. القدرة على البقاء مستقلاً. وكل هذه الوظائف تعتمد على جسم قادر على إنتاج طاقته واستعمالها بكفاءة.

ومن هذا المنطلق، يبدو الكرياتين اليوم أحد أكثر عناصر التغذية الحديثة المرتبطة بطول العمر إثارة للاهتمام. وهو يجسد بشكل مثالي رؤية جديدة للشيخوخة: لا السعي إلى إيقاف الزمن، بل مساعدة الجسم والدماغ على الاحتفاظ بقدراتهما أطول مدة ممكنة.

نصيحة Family Clinic

بعد الخمسين، ليست الأولوية هي السعي إلى الأداء الرياضي، بل الحفاظ على الوظيفة العضلية والاستقلالية. اجمع بين نشاط بدني منتظم، وكميات كافية من البروتينات عالية الجودة، وتغذية متوازنة. فالعضلات من أثمن احتياطيات الصحة للعقود القادمة.

لديك سؤال يخص صحتك؟ تواصل مع العيادة.