اتصل بنا
طول العمر والشيخوخة الصحية

النشاط البدني: أقوى دواء مضاد للشيخوخة

القلب والشرايين والعضلات والدماغ والعظام والمناعة: لو كان على الباحثين أن يختاروا عادة واحدة قادرة على التأثير فيها جميعاً في آن واحد، لكانت على الأرجح النشاط البدني. يشرح هذا المقال لماذا لا يُعد العمر مانعاً من الحركة، حتى بعد السبعين، ولماذا يكون المشي أو البستنة أو الرقص في الغالب أكثر الأنشطة فائدة، دون الحاجة إلى قاعة رياضة، ولماذا تفوق المواظبة في كثير من الأحيان قيمةَ الشدة.

بقلم الدكتور سعيد العلوي مولاي عبد الله

4 دقيقة للقراءةترجمة عربية

في هذا المقال

لو كان على الباحثين أن يختاروا عادة واحدة قادرة على تحسين صحة القلب والشرايين والعضلات والدماغ والعظام، بل وجهاز المناعة أيضاً، في آن واحد، لاختاروا على الأرجح النشاط البدني.

قد يبدو هذا القول مفاجئاً. فكثير من الناس ما زالوا يربطون الرياضة بإنقاص الوزن أو بتحسين المظهر الجسدي. غير أن فوائدها تتجاوز ذلك بكثير. فالنشاط البدني يُعد اليوم من أنجع الوسائل لإبطاء آثار الشيخوخة.

لم يُصمَّم جسم الإنسان قط للبقاء جالساً ساعات طويلة. فمنذ آلاف السنين، والإنسان يمشي ويحمل ويتسلق ويزرع ويبني ويتنقل يومياً. إن الحركة مكتوبة في بيولوجيتنا.

عندما نتوقف عن الحركة، يفسّر الجسم هذا الخمول على أنه إشارة إلى التكيف. فتفقد العضلات قوتها تدريجياً، وتتراجع القدرة التنفسية، وتزداد المفاصل تيبساً، ويفقد الجهاز القلبي الوعائي شيئاً من كفاءته.

وعلى العكس من ذلك، يعمل كل نشاط بدني كرسالة موجهة إلى الجسم كله: «ابقَ قوياً. ابقَ في أفضل أداء. واصل الحفاظ على قدراتك.» وهذا التحفيز ضروري في كل الأعمار، لكنه يصبح بالغ الأهمية بعد الخمسين.

يعتقد كثير من الناس أنه لا جدوى من البدء في نشاط بدني مع التقدم في السن. وهذا خطأ شائع. بل تُظهر الدراسات أن الفوائد تُلاحظ حتى لدى أشخاص ظلوا قليلي الحركة عدة عقود.

يتمتع الجسم بقدرة لافتة على التكيف. فالشخص الذي يبدأ المشي بانتظام بعد الستين يستطيع تحسين لياقته البدنية، وخفض خطر إصابته بأمراض القلب والأوعية، واكتساب مزيد من الاستقلالية. والشخص الذي يبدأ تمارين تقوية العضلات بعد السبعين ما زال قادراً على زيادة قوته وتحسين توازنه.

إذن فالعمر ليس مانعاً من الحركة، بل هو على العكس سبب إضافي للبقاء نشيطاً. ومن أوائل الأعضاء التي تستفيد من الرياضة القلب. فالقلب، مثل أي عضلة، يقوى حين يُستعمل بانتظام. ومع تقدم التدريب، يصبح قادراً على ضخ كمية أكبر من الدم في كل نبضة. ويتيح هذا التحسن توزيعاً أفضل للأكسجين على جميع الأنسجة.

والنتائج عديدة:

  • تراجع ضيق التنفس؛
  • تحسن القدرة على التحمل؛
  • تعافٍ أسرع بعد المجهود؛
  • انخفاض خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية؛
  • جودة حياة يومية أفضل.

وتستفيد الأوعية الدموية بدورها من هذا التكيف، إذ تحتفظ بقدر أكبر من المرونة، مما يساعد على الحفاظ على دورة دموية جيدة وضغط دم أكثر توازناً.

لكن فوائد الرياضة لا تقتصر على الجهاز القلبي الوعائي. فالدماغ أيضاً يستفيد استفادة كبيرة من النشاط البدني. فحين نمشي أو نجري أو نركب الدراجة، يزداد تدفق الدم إلى الدماغ، وتتلقى الخلايا العصبية مزيداً من الأكسجين والمغذيات، وتُفرَز بعض الجزيئات التي تعزز نمو الخلايا العصبية وحمايتها. وتسهم هذه التكيفات في الحفاظ على الذاكرة والانتباه والقدرة على التعلم.

ويُعد النشاط البدني اليوم من أفضل الاستراتيجيات غير الدوائية لدعم الوظائف الإدراكية خلال الشيخوخة.

وتمثل العضلات تحدياً كبيراً آخر. فابتداءً من الخمسينيات، تتناقص الكتلة العضلية تناقصاً طبيعياً. ويُسمى هذا الفقدان التدريجي «الساركوبينيا». وإذا لم يُتخذ أي إجراء، فقد يصبح سبباً للتعب والضعف وارتفاع خطر السقوط وفقدان الاستقلالية.

وتعمل الرياضة مباشرة ضد هذه الظاهرة. فكل انقباض عضلي يحفّز آليات بيولوجية تساعد على الحفاظ على الكتلة العضلية أو زيادتها. وحتى التمارين البسيطة، إذا مورست بانتظام، يمكن أن تحقق نتائج مبهرة.

وخلافاً لفكرة شائعة، ليس من الضروري ارتياد قاعة رياضة للاستفادة من هذه الآثار. فكثيراً ما تكون أنفع الأنشطة أيسرها:

  • المشي السريع؛
  • البستنة؛
  • صعود الدرج؛
  • ركوب الدراجة؛
  • السباحة؛
  • التمارين بوزن الجسم؛
  • الجمباز الخفيف؛
  • الرقص.

المهم هو المواظبة. فالمشي ثلاثين دقيقة كل يوم أفضل من ممارسة رياضة مكثفة مرة واحدة في الشهر.

ويشدد المختصون أيضاً على أهمية تقليص فترات الجلوس الطويلة. فقد يمارس الشخص حصة رياضية يومية ويظل مع ذلك قليل الحركة أكثر مما ينبغي إن قضى بقية يومه جالساً أمام شاشة.

ويُنصح بالنهوض بانتظام، والمشي بضع دقائق، والقيام ببعض الحركات أو تغيير الوضعية عدة مرات خلال اليوم. فهذه الحركات البسيطة، إذا تكررت يومياً، تسهم في الحفاظ على كثير من الوظائف الفيزيولوجية.

وإلى جانب كل الفوائد البيولوجية، يجلب النشاط البدني أيضاً مزايا نفسية كثيراً ما يُستهان بها. إذ يصف الأشخاص النشيطون في الغالب:

  • مزاجاً أفضل؛
  • تراجعاً في التوتر؛
  • نوماً أكثر إراحة؛
  • ثقة أكبر في قدراتهم؛
  • إحساساً متزايداً بالعافية.

ومع مرور الوقت، تسهم هذه التحسينات بدورها في جودة حياة أفضل.

إذن فالشيخوخة الجيدة لا تقتصر على مراقبة الغذاء أو تناول المكملات الغذائية. فالحركة تظل إحدى الركائز الأساسية لطول العمر.

  • كل خطوة تخطوها اليوم استثمار للسنوات القادمة.
  • كل نزهة تغذي القلب.
  • كل مجهود ينشّط الدماغ.
  • كل انقباض عضلي يحفظ الاستقلالية.

وكل يوم نشيط يسهم في بناء مستقبل أمتن وأكثر استقلالية وطمأنينة.

نصيحة Family Clinic

لا تسعَ إلى أن تصبح رياضياً محترفاً. اسعَ إلى أن تصبح شخصاً يتحرك كل يوم. فالمواظبة كثيراً ما تفوق الشدة قيمةً. والمشي السريع اليومي الممارَس طوال عشر سنوات يحقق عموماً فوائد أكثر من برنامج رياضي طموح يُتخلى عنه بعد بضعة أسابيع.

لديك سؤال يخص صحتك؟ تواصل مع العيادة.